أبو علي سينا

247

القانون في الطب ( طبع بيروت )

تخديره مألوف مأكول . وإذا بليت بشدة حس العضو فاغذ بما يغلظ الدم جداً ، كالهرائس ، وإن لم تخف التدبير فاغذ بالمبردات كالخس ونحوه . واعلم أن من المعالجات الجيدة الناجعة الاستعانة بما يقوي القوى النفسانية والحيوانية كالفرح ولقاء ما يستأنس به ، وملازمة من يسر به ، وربما نفعت ملازمة المحتشمين ومن يستحيا منهم ، فمنعت المريض عن أشياء تضره . ومما يقارب هذا الصنف من المعالجات ، والانتقال من بلد إلى بلد ، ومن هواء إلى هواء ، والانتقال من هيئات إلى هيئات ، وتكلف هيئات وحركات يستوي بها عضو ويصير بمزاج ، مثل ما يكلف الصبي الأحول من النظر الشديد إلى شيء يلوح له ، ومثل ما يكلف صاحب القوة من النظر في المرآة الضيقة ، فإن ذلك أدعى له إلى تكليف تسوية وجهه وعينيه ، فربما عاد بالتكلف إلى الصلاح . ومما يجب أن تخفظه من القوانين أن تترك المعالجات القوية في الفضول القوية ما استطعت من مثل الإسهال القوي ، والكي والبط والقيء في الصيف والشتاء . ومن الأمور التي تحتاج في علاجها إلى نظر دقيق ، أن يجتمع في مرض واحد استحقاقان متضادان ، ويستحق المرض مثلًا تبريداً ، وسببه تسخيناً مثل ما تقضي الحمى تبريداً والسدد التي يكون سبباً للحمى تسخيناً ، أو بالعكس ، وكذلك أن يستحقّ المرض مثلًا تسخيناً وعرضه تبريداً ، مثل ما تستحق مادة القولنج تسخيناً وتقطيعاً ، وتستحق شدّة وجعه تبريداً وتخديراً ، أو بالعكس . واعلم أنه ليس كل امتلاء وكل سوء مزاج يعالج بالضد من الاستفراغ والمقابلة ، بل كثيراً ما يكفي حسن التدبير المهم في الامتلاء وسوء المزاج . الفصل الثاني في معالجات أمراض سوء المزاج أما ما كان منه بلا مادة ، فإنما نبذل سوء المزاج فقط ، وإن كان مع مادة ، فإنا نستفرغها ، وربما كفانا الاستفراغ وحده إن لم يتخلّف عنه سوء المزاج لتمكنه السالف ، وربما لم يكفنا ذلك إن خلف سوء المزاج ، بل يحتاج إلى تبديل المزاج بعد الفراغ من الاستفراغ . ونقول : إن معالجة سوء المزاج أصناف ثلاثة ، لأن سوء المزاج ، إما أن يكون مستحكماً فيكونا علاجه بالضد على الإطلاق ، وهذا هو المداواة المطلقة ، فإما أن يكون في حد الكون وإصلاحه مداواة مع التقدم بالحفظ بمنع السبب ، ومنه ما يريد أن يكون ويحتاج فيه إلى منع السبب فقط ، ويسمى التقدم بالحفظ . مثال المداواة ، معالجة عفونة حمّى الربع بالترياق وسقي الماء البارد في الغب ليطفي . ومثال المداواة والتقدم بالحفظ ، الاستفراغ في الربع بالخربق وفي الغب بالسقمونيا إذا أردنا بذلك أن نمنع ابتداء نوبة تقع . ومقال التقدم بالحفظ مفرداً ، استفراغ المستعدّ لحمي الربع لغلبة السوداء بالخربق ، ولحمي الغب لغلبة الصفراء بالسقمونيا . وإذا أشكل